أبي حيان التوحيدي
305
المقابسات
وجد مجموعا أن ينتفع بسياقه الشئ إلى الكمال إذا لم يحفظ علته ، ولن ينتفع بحفظ علته إذا لم يصر ذاته بنفسه مستحفظا لطباعه على أخص كماله [ و ] ما لم يصر آمنا في سربه من طغيان آلاته المغيرة إلا عنده ، ولن ينتفع بالأمن عنده إلا إذا لم يكن الأمن أبديا على الاطلاق . إن شرف الانسان هو الفوز بالسعادة العظمى ونيل المنزلة عند ربه ومن الواجب أن يكون عرض الصناعة المعينة بشأن الانسان ما هو إنسان أعنى النسك والزهد ، هو تحصيل السعادة العظمى والمنزلة عند اللّه تعالى وكان الشخص الواحد من أشخاص الناس غير صالح لاستبانة صور الموجودات كلها في ذاته فيصر بذلك عالما على حدته حسب ما في أشخاص الحيوانات للآخر ، لما امتنع أن يفنى فناء أبديا ويخلفه الآخر مكانه . ازدحام الصور المتقابلة في الجوهر النفساني ليس بممتنع ، وازدحام الصور الكثيرة إلى ما يتناهى ليس بمموه ، فبورود التلاشى عليه إذا ليس بواجب ، وحصرها إذا تحلت بالابديات الكلية بطباعنا الخاصية . غير بعيد أن يكون الكمال المطلق هو أن يصير جوهره بحسب السعي الاختياري حكيما قادرا جوادا . وهو يصير العبد ربانيا بالحقيقة . لما جعل الشخص الحيواني توليد المثل لبقاء نوعه فقد أهدى بالطبع المتمم لغايته . وبالعكس لما حرم الكمال الأشرف بنفس حياته قصر طباعه عن التصور له رأسا فلو ضاهاه الانسان في هذا الكمال لشاكله في القصور عن التصور . إذا سعد العبد بوصال مولاه على الحقيقة فقد صارت دنياه آخرته ، وموته حياته ، وفقره غناه ، ومرضه صحته ، ونومه يقظته ، وضعفه قوته ، وهمه فرجه . وإذا شقى بالحجب عن مولاه فقد انقلب الأمر بالضد . مراتب العبودية في العيشة الدنياوية على الحقيقة أربع : أولها الاهتمام للسعادة ، ثم السلوك إليها ، ثم الحصول عليها ، ثم الاستمساك بها . وفي العيشة